محمد بن جرير الطبري

14

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

تعدوا في السبت يعني بقوله : لا تعدوا في السبت : لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم إلى ما لم يبح لكم . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا قال : كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس . وقلنا لهم لا تعدوا في السبت أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها ، وأحل لهم ما وراء ذلك . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء أمصار الاسلام : لا تعدوا في السبت بتخفيف العين من قول القائل : عدوت في الامر : إذا تجاوزت الحق فيه ، أعدو عدوا وعدوانا وعداء . وقرأ ذلك بعض قراء أهل المدينة : وقلنا لهم لا تعدوا بتسكين العين وتشديد الدال والجمع بين ساكنين ، بمعنى : تعتدوا ثم تدغم التاء في الدال فتصير دالا مشددة مضمومة ، كما قرأ من قرأ : أم من لا يهدي بتسكين الهاء . وقوله وأخذنا منهم ميثاقا غليظا يعني : عهدا مؤكدا شديدا ، بأنهم يعملون بما أمرهم الله به وينتهون عما نهاهم الله عنه مما ذكره في هذه الآية ومما في التوراة . وقد بينا فيما مضى السبب الذي من أجله كانوا أمروا بدخول الباب سجدا ، وما كان من أمرهم في ذلك ، وخبرهم وقصتهم ، وقصة السبت ، وما كان اعتداؤهم فيه ، بما أغنى عن إعادته لفي هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) * . يعني جل ثناؤه : فبنقض هؤلاء الذين وصفت صفتهم من أهل الكتاب ميثاقهم ، يعني عهودهم التي عاهدوا الله أن يعملوا بما في التوراة . وكفرهم بآيات الله يقول : وجحودهم بآيات الله ، يعني : بأعلام الله وأدلته التي احتج بها عليهم في صدق أنبيائه ورسله ، وحقية ما جاؤوهم به من عنده . وقتلهم الأنبياء بغير حق يقول : وبقتلهم الأنبياء بعد قيام الحجة عليهم بنبوتهم بغير حق ، يعني : بغير استحقاق منهم ذلك لكبيرة أتوها ولا خطيئة استوجبوا القتل عليها . وقولهم : قلوبنا غلف يعني : وبقولهم : قلوبنا غلف ،